محمد بيومي مهران

134

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

التوراة من قريب أو بعيد إلى أماكن حط الخليل فيها ركبه ورحالهم أثناء هجرتهم هذه ، حتى وصلوا إلى شكيم ، وإن كان المؤرخ اليهودي « يوسف بن متى » ، قد ذهب إلى أن إبراهيم كان « ملك دمشق » ، وأن « نقولا الدمشقي » يقول في الكتاب الرابع من تاريخه ، أن ابراميس ( إبراهيم ) حكم في دمشق ، وكان مغيرا قدم من أرض بابل من البلاد التي تسمى بلاد الكلدانيين ، ولم يمض عليه طويل وقت حتى هجرها وقومه إلى كنعان ، وهو أمر لم يذكره القرآن من بعد ، ولا التوراة أو الإنجيل من بعد ، وإن ورد اسم « اليعاذر الدمشقي » في التوراة - وهو وكيل بيت إبراهيم - وإن أشار كذلك المؤرخون الإسلاميون إلى رواية ابن عباس من أن الخليل قد ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون ، وقد صحح ذلك الحافظ بن عساكر ، فقال أنه ولد في بابل ، وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه ، إذ جاء معينا للوط عليه السلام « 1 » ، وكل ذلك يدل على أن هناك علاقة من نوع ما بين إبراهيم الخليل وبين دمشق ، وإن كانت وصلت إلينا من مصادر متأخرة . وعلى أي حال ، فإن إبراهيم الخليل قد اختار - كما تشير التوراة - في ريادته الأولى لأرض كنعان ، الطريق الشاق والموحش ، إذ كان متجولا فوق التلال نحو الجنوب ، وهنا نجد حواف التلال المليئة بالأشجار ، تقدم ملجأ وملاذا للغريب في الأرض الأجنبية بينما يقدم الخلاء الواسع المرعى الواسع لقطعانه ورعاته ، وعندما أراد الخليل أن يستقر في بادئ الأمر ، فضل ذلك أن يكون فوق هضبة ، ذلك لأنه - بأقواسه ومقاليعه - لم يكن في حالة تمكنه من أن يخاطر بالصدام مع الكنعانيين ، الذين كانوا - بسيوفهم وحرابهم - أكبر من ند له ، ولم يكن إبراهيم بعد مستعدا

--> ( 1 ) ابن كثير : قصص الأنبياء 1 / 168 ، البداية والنهاية 1 / 140